السينما في سوريا

السينما في سورية

بدأ الإنتاج السينمائي في سورية عام 1928 بفيلم “المتهم البريء” أي بعد عام واحد فقط من بداية السينما في مصر , التي ولدت عام 1927 مع فيلم ” ليلى ” , ومع هذا فان مجمل الإنتاج في سورية كان خلال نصف قرن كامل حوالي مئة فيلم فقط , بينما وصل العدد في مصر إلى حوالي ألف وخمسمائة فيلم( 1).

ففي المرحلة الأولى التي سبقت قيام المؤسسة العامة للسينما انتج المغامرون الأوائل سبعة أفلام روائية فقط بأسماء شركات لا تملك غير أسمائها, سرعان ما تنسحب كل منها من ميدان الإنتاج السينمائي بعد تحقيق فيلمها الأول. لأنها دخلت هذا الميدان-في الأساس-طمعا في تحقيق الربح الكبير والسريع دون رصيد كاف من المال والمعرفة والمعدات اللازمة.

أما المرحلة الثانية , والتي بدأت مع تأسس دائرة السينما في وزارة الثقافة , ثم قيام المؤسسة العامة للسينما , فكانت-من حيث المبدأ-منعطف السينما الكبير في سورية و تميزت بأبعاد تجربة سينما القطاع العام , ومحاولات تقد ~ السينما الجادة , مقابل استشراء عدوى الإنتاج السينمائي في القطاع الخاص , وبصورة خاصة بعد صدور مرسوم حصر استيراد وتوزيع الأفلام السينمائية بالؤسسة العامة للسينما , ودخول أصحاب دور السينما ميدان الإنتاج السينمائي , أو المساهمة في تمويله ودعمه , وعرض أفلامه في الصالات التي يملكون بدل أن يستوردوا أفلاما جديدة عن طريق المؤسسة. وذلك كموقف سلبي غير معلن
صراحة من مرسوم حصر الاستيراد والتوزيع , وعلى الرغم من أن المرسوم حصر عملية الاستيراد في المؤسسة , فانه أبقى الاستثمار المباشر بهذه الأفلام المستوردة في دور العرض عملا حرا يقوم به القطاع الخاص.

إن القطاع الخاص حول هذا الفن الجماهيري إلى مغامرة تجارية من خلال تقليد أسوأ ما أنتجته السينما العربية التجارية من أفلام لا يتوخى منتجوها من ورائها إلا الربح المادي. هذا من جهة , ومن جهة ثانية نجد أن
أفلام القطاع العام لا تزال قليلة من حيث العدد , لم يصل عددها إلى عشرين فيلما لم يعرض قسم منها عرضا جماهيريا , ولم تستطع أن تثبت وجودها في السوق بسبب تراكمات وأخطاء إدارية وتنفيذية , وبسبب سيطرة القطاع الخاص على دور السينما وضيق تجربة سينما الكندي الرسمية.

وفي جميع الاقتراحات التي طرحت لتطوير واقع السينما في سورية , كانت هناك دعوة للعودة إلى مقررات وتوجيهات المؤتمر التحضيري للسينمائيين السوريين الذي عقد في دمشق بين 14 – 16 كانون الثاني عام ?1977 ( 2) ,لقد عقد ذلك المؤتمر بعد أن تنادى السينمائيون في القطر العربي السوري في أواخر عام 1976 لعقد مؤتمر يناقشون من خلاله واقع وأهداف السينما في سورية.
كانت هناك رغبة ملحة لدى العاملين في قطاع السينما لعقد مثل هذا المؤتمر بعد أن مرت على هذا القطاع فترة ركود وانحسار.
وقدمت اللجنة التحضيرية للمؤتمر ورقة عمل تتضمن النقاط الأساسية التالية:
1- أهداف الصناعة السينمائية في القطر العربي السوري.
2- الإنتاج السينمائي في القطر.
3- العروض السينمائية.
4- الثقافة العربية والسينما.
5- السينمائيون , وواقعهم المهني والثقافي.

وقد تقرر فيما بعد أن يكون جدول الأعمال مشتملا على النقاط الثلاث التالية:
1- مناقشة واقع السينما في سورية.
2- مهام السينما السورية.
3- السينما والثقافة في سورية.

وكانت المناقشات في المؤتمر صريحة وتفصيلية وتحدث في جلساته عدد كبير من المشتركين في المؤتمر بالإضافة إلى عدد آخر من الكتاب
والنقاد والصحفييين , ثم طرحت التوصيات التي نوقشت بدورها بصورة دقيقة وتفصيلية من أعضاء المؤتمر , وأدخلت على بنودها التي صاغتها لجنة الصياغة عدة تفصيلات حتى صدرت بشكلها النهائي , وكانت وثيقة عمل أمام السينمائيين السوريين.
ولنعترف هنا بان توصيات المؤتمر لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ إلا في حدود ضيقة وفي مؤسسة السينما , مع أنها كانت تطرح حلولا لجميع
مشاكل السينما في سورية.

لقد طالب السينمائيون في المؤتمر بأن يكون للسينما( 3) كما هي الحال في تجربة القطر الجزائري الشقيق-مجلس وطني للسينما يكون ثلث أعضائه من السينمائيين على الأقل , يتولى مسؤولية تحقيق الأهداف الفكرية والفنية والاقتصادية للسينما السورية. و يشرف على وضع الأنظمة والتعليمات التي تساعد على تنظيم وتطوير مختلف القطاعات السينمائية من إنتاج واستيراد وتوزيع واستثمار وثقافة سينمائية , على أن ينشأ صندوق للسينما تكون إيراداته من جزء من الزيادة الطارئة على ثمن بطاقات الدخول للصالات , و يقوم هذا الصندوق بدعم الإنتاج المحلي , وتحويل التعاونيات الإنتاجية للسينمائيين , ودعم الأندية السينمائية , والمساهمة في نشر الثقافة السينمائية , وتقديم الجوائز والمنح للفنانين السوريين المبرزين.

وفي عودتنا إلى سيرة السينما في سورية نجد أن أول العروض السينمائية التي قدمت فيها كانت في مدينة حلب عام 1908 عن طريق
جماعة أجانب قدموا من تركيا وعرضوا صورا متحركة عجيبة >>وكانت معهم آلة متنقلة تتحرك الصور فيها أفقيا ,« على أن البداية الرسمية لتعرف سورية على السينما كانت بعد أربع سنوات من هذا التاريخ أي في عام ,1912 عندما عرض حبيب الشماس صورا متحركة في المقهى الذي كان يستثمره في دمشق , في ساحة المرجة , حيث كانت آلة العرض تدار باليد وكان الضوء فيها يتولد من مصباح يعمل بغاز الاسيتيلين.
دخلت السينما البلاد في بادئ الأمر كاختراع جديد ضعيف الشأن( 4) لأن الناس لم تسمع عنه قبلا لعدم توفر المواصلات والاتصالات السريعة , ووسائل النشر من صحف ومجلات أجنبية وإذاعات لاسلكية , إلا أن السينما عندنا كانت كارثة للذين أرادوا استثمارها وجني الأموال الطائلة منها في مدة قصيرة , لأنها لم تكن لتشبه وسائل الاستثمار الأخرى , فهي تحتاج إلى دراسة وخبرة ودقة فائقة في العمل , وبسبب عدم توفر هذه المزايا لدى المستثمرين , كانت الصالات المجهزة بهذه الآلة الخطرة تحترق الواحدة تلو الأخرى في حلب ودمشق والمدن السورية الأخرى , وتسبب إفلاس المستثمرين الذين لم يراعوا الشروط المطلوبة والضرورية لاستثمار هذه البدعة , إذ كان جل ما يبتغون هو الربح العاجل من أقرب طريق , فيلحق بهم الضرر ويلحق بالأبرياء أصحاب الحوانيت والمنازل القريبة من صالاتهم , والتي كانت تحترق هي أيضا.
ومع هذا لم تتوقف حركة الاستثمار , إذ جاء بعدهم من تمكن من لجم الآلة السينمائية واستثمارها برغم أخطارها وجني ثروات طائلة منها , وأدخلت على الآلة اختراعات وقائية مختلفة.

وأما الذين عملوا في الإنتاج السينمائي فهم ممن كانوا يحلمون بالثروة المفاجئة أو اللهو بمتعة مستحبة , إلا أن بعضهم عمل بإخلاص ومعرفة للرفع من شأن بلاده من هذه الناحية , ولكن تدخل السلطات الاستعمارية ,
وعدم توفر المال الكافي , وتخلف دخول أصحاب رؤوس الأموال في مشاريع من هذا النوع , وكذلك تعدد الاختصاصات في تكنيكك السينما وقلة ذوي الخبرة الفنية بفروعها المختلفة من الإخراج إلى الماكياج , ذلك كله جعل العمل السينمائي عندنا في غاية الصعوبة , وأدى إلى انهيار مؤسسات الإنتاج ومشروعات العمل الواحدة تلو الأخرى.

البدايات الأولى:
المتهم البريء:
كان أول الأفلام التي تمثل مرحلة ذات صفات خاصة ينسحب عليها وصف: أفلام البدايات الأولى , والمغامرات الفنية والمبادرات الفردية والمحاولات الجريئة.

ولهذا فأننا نؤرخ بهذا الفيلم كبداية للإنتاج السينمائي في سورية وذلك عام 1928 عندما اجتمع عدد من الهواة واستوردوا جهازا صغيرا للتصوير السينمائي قياس 35 ميللمتر طراز »كينامو « لتصوير فيلم سينمائي.
كان هؤلاء: أيوب بدري واحمد تللو ومحمد المرادي , وكان الأول أبرزهم وأكثرهم تعلقا بهذا الفن الجديد.
وكان هؤلاء الشباب يميلون إلى التمثيل , وقد أخذوا بما شاهدوه من أفلام سينمائية أجنبية , وخاصة أفلام رعاة البقر وأفلام طرزان وغيرها , وكانت تعرض آنذاك بكثرة في دور السينما , وعندما حاولوا تحقيق فيلم
سينمائي فوجئوا هم الثلاثة: بأن إنتاج فيلم سينمائي يحتاج إلى عمليات فنية معينة لا يجيدونها , بالإضافة إلى عملية التصوير السينمائي التي هي بدورها بحاجة إلى من يتقنها.
في تلك الفترة كان رشيد جلال-وهو من الرعيل الأول في مجال السينما- هاويا سينمائيا وكان يمتلك كاميرا للسينما من قياس 5ر 9 ميلليمتر مع آلة للعرض ولوازم التحميض والطبع.(6)

ولرشيد جلال قصة نقلته من الهواية إلى الاحتراف بسبب التشجيع الذي لقيه من شركة (باتيه) , فقد أرسل لها مرة فيلما عن زيارة الجنرال سراي لدار الحكومة في دمشق لتحميضه إنجابيا , فاشترته منه بمبلغ 150
فرنكا أدخلت بعض أقسامه في الجريدة المصورة »باته بيبي غازيت « التي كانت تصدرها شهريا وتوزعها في العالم.
وقد تم الاتفاق بين أيوب بدري وزميليه من جهة ومع رشيد جلال من جهة ثانية على تصوير الفيلم الذي يعتزمون إنتاجه على أن يكون شريكا رابعا لهم و يتولى التصوير ووضع السيناريو , وسميت الشركة التي ضمت هؤلاء الشباب المغامرين »حرمون فيلم .«

وعندما بحثوا أمر اختيار الممثلين وقع بينهم خلاف شديد لأن رشيدجلال لم يقتنع أن في شركائه من يصلح للتمثيل , وكان يريد إشراك شخص
اسمه إسماعيل أنزور له المام بالأمور السينمائية لأنه شاهد أعمالها عن كثب في النسما وتركيا , وسعى لإقناع الشركاء بصرف النظر عن إخراج القصة والاتجاه لإخراج فيلم عن الآثار في سورية وبيعه إلى الشركات السينمائية الأجنبية التي كانت تطالب بمثل تلك الأفلام , ولكن الشركاء أصروا على إخراج الفيلم إلى مرحلة التنفيذ.
و تم الاتفاق على تصوير فيلم »المتهم البريء ,« على أن يمثل دور البطولة فيه أيوب بدوي , و يمثل الأدوار الأخرى زميلاه بالإضافة إلى عناصر من هواة التمثيل من خارج الشركة.
أما قصة الفيلم فكانت مستوحاة من قصة حقيقية , وقعت أحداثها في دمشق أبان حكم الملك فيصل , وهي قصة عصابة من اللصوص عاشت فسادا في أنحاء مختلفة من ضواحي دمشق , وألقت الرعب في النفوس. أنتجت القصة مع إجراء تحوير في مسارها وأحداثها لإدخال عنصر المرأة في الفيلم , إذ ليس من المعقول إخراج فيلم بدون امرأة , وقد اتفقت الشركة مع آنسة من إحدى عائلات دمشق المعروفة للقيام بالدور الأول النسائي , وقد جاء بها حلاق للنساء اسمه وديع شبير , ومثل المذكور دور المستنطق في الفيلم.

بوشر بتصوير الفيلم أمام كهوف جبل قاسيون وفي غرف دور السكن المفروشة , وكانت عملية تقوية النور داخل الغرف تتم بواسطة عاكسات بيضاء لامعة صنعت محليا. أما عملية تحميض السلبيات فكانت تجرى
بلف الفيلم على اسطوانة خشبية كبيرة صنعت خصيصا لهذه الغاية محليا , وأجريت عملية التركيب على الفيلم السالب وأرسلت المواد بالتتابع إلى شركة اكلير تيراج وشركة (س. ث. م) في فرنسا للطبع.
و تم تصوير الفيلم في 8 اشهر وكان طوله 800 متر , وقد عرض تجربة في سينما الكوزموغراف »أمية فيما بعد « و   الاتفاق على عرضه في الدار نفسها , ووضعت إعلانات كثيرة وصور كثيرة على الجدران مطبوعة بلونين.
وتقدمت الشركة إلى السلطات الفرنسية بطلب الترخيص حسب الأصول وعرض الفيلم أمام موظفي الرقابة الفرنسييين , وبعد ثلاثة أيام فوجئت الشركة بمنع عرض الفيلم بسبب وجود آنسة قالوا انه لا يجوز ظهورها في الفيلم لأنها مسلمة وغير محترفة , ولأن رجال الدين في المدينة يحتجون على ذلك , مما يسبب إخلالا بالأمن العام , ورغم إبراز العقد الموقع منها للعمل في الشركة , ورغم أن سنها تجاوزت الخامسة والعشرين , ورغم الوساطات المختلفة لدى الأشخاص الحاكمين في ذلك الوقت , والمساعي التي بذلت لدى رجال الدين , لم تقبل سلطات الانتداب بعرض الفيلم بحالته الأولى , وطلب إلى أصحابه تغيير المشاهد التي تظهر فيها هذه الآنسة ووضع مشاهد تمثل فيها امرأة محترفة على أن تكون غير مسلمة.

وكانت خيبة الأمل بين الشركاء مؤثرة جدا , خاصة انهم كانوا قد وضعوا جميع ما يملكون من مال لإنتاج هذا الفيلم , بالإضافة إلى الجهود الكبيرة التي بذلوها على مدى ثمانية أشهر كاملة.
وعادوا يدرسون الوضع من جميع الوجوه , فلم يجدوا من سبيل سوى إعادة تصوير المشاهد التي تظهر فيها الفتاة بعد أن تعاقدوا مع راقصة المانية لها المام بالتمثيل اسمها »لوفانتيا « تعمل في ملهى »الأو بيا ,« و بدأوا التصوير من جديد وكان طول المشاهد التي أعيد تصويرها 270 مترا ,. أرسلت بدورها إلى فرنسا لطبع الإيجابيات عنها , وقد أخرت هذه العملية عرض الفيلم ستة شهور كاملة. وعندما عرض الفيلم في سينما الكوزموغراف كان الإقبال عليه منقطع النظير , مما اضطر رجال أمن لإقامة سد على مدخل حي البحصة من جهة المرجة لمنع الازدحام , وكانوا يسمحون بدخول الناس بالتتابع , وعندما تمتلئ الصالة بالرواد يشرعون في تفريق الجموع باستعمال العنف أحيانا , وقد عرض الفيلم في معظم المدن السورية بالإضافة إلى بيروت وطرابلس , وكان صامتا. بعد ذلك انسحب رشيد جلال من الشركة لعدم انسجامه مع الشركاء , وحلت الشركة , إذ لم يعد لدى أفرادها المال اللازم لشراء معدات لا بد منهالمتابعة الإنتاج.

يتبع ……………………

تحت سماء دمشق:( 7)
على الرغم من أن شركة حرمون فيلم قد حلت بعد إنتاج فيلمها الأول , إلا أن الإقبال الكبير الذي شهده عرض فيلم <<المتهم البريء « كان حافزا للممولين السوريين لإنتاج أفلام سينمائية.
واتصل اكثر من واحد منهم برشيد جلال لإنتاج فيلم سوري كبير بشروط فنية أفضل من تلك التي انتج بها الفيلم الأول. وفي أواخر عام 1931 اتفق رشيد جلال مع عطا مكي , صاحب المكتبة العمومية آنذاك وخاله الحاج أديب خير , والتاجر رفيق الكزبري على تأسيس شركة »هيلوس فيلم « برأسمال قدره أربعمائة ليرة عثمانية ذهبية تدفع بالتساوي بين الجميع , وكلف رشيد جلال بالإشراف على جميع أعمال الإنتاج.
وقد اتفق رشيد جلال مع صديقه إسماعيل انزور الذي اطلع على فن الإخراج في النمسا مع المخرج التركي المعروف ارطغرل محسن , على الإخراج بلا قيد ولا شرط , وتعاقدت الشركة مع مصور إيطالي اسمه جوردانو ومع المصور السوري نور الدين رمضان , وقرر الجميع إخراج رواية »تحت سماء دمشق « التي كتب السيناريو لها إسماعيل انزور , وجرى التصوير في غوطة دمشق ومداخل المدينة , وفي الربوة ودمر , وفي قصر الامير سعيد الجزائري بدمر , »المشاهد الداخلية « وشارك في الفيلم عرفان الجلاد ولوفانتيا الالمانية وعدد من الراقصات وتوفيق العطري والمطرب مصطفى هلال , وفريد جلال , وعلي حيدر ومدحت العقاد , وغيرهم , وذلك تطوعا دون أجر , باستثناء النساء.

وقد صورت بعض مناظر الفيلم في محطة الحجاز , حيث استخدمت عربات الركاب في القطارات واستخدم ركاب القطار ك »كومبارس «.. بالاضافة الى تصوير مشاهد في ملهى أقيم في الهواء الطلق في سينما اللونابارك الصيفية التي كانت من أكبر دور السينما الصيفية في دمشق.
وقد استخدمت زجاجات الشمبانيا الفارغة حيث وضع فيها الكازوز , وزجاجات الويسكي الفارغة حيث وضع فيها الشاي , توفيرا للنفقات.

وفي ذلك العام ,1933 افتتح في دار مدرسة التجهيز في دمشق وفي الحدائق المحيطة بها معرض باسم »معرض دمشق وسوقها « عرض فيه أنواع كثيرة من البضاعة الوطنية والأجنبية , وبهذه المناسبة جاءت من مصر الى دمشق الممثلة السينمائية السيدة آسيا داغر , صاحبة مؤسسة »لوتس فيلم « تصحبها ابنة شقيقتها الآنسة ماري كويني , وكانت في ذلك الحين من أجمل وأشهر ممثلات السينما في مصر , واحضرتا معهما أول فيلم من إنتاج لوتس فيلم اسمه: »غادة الصحراء « إخراج وداد عرفي التركي الأصل وتمثيل آسيا داغر وماري كويني , عرض الفيلم في معرض دمشق وفي الهواء الطلق واستمر عرضه ثلاثة ايام وجرى تعارف بين الفنانتين الضيفتين وبين أعضاء شركة هيليوس فيلم , فأقامت الشركة حفلة شاي تكريما لهما في فندق أمية بالمرجة , ووعدت السيدة آسيا داغر أصحاب الشركة بالسعي لتوزيع فيلمها الجديد-وكان قيد الانتاج -في مصر.

وحدثت مفاجأة , فأثناء طبع النسخة الايجابية من فيلم »تحت سماء دمشق « الصامت , أعلن عن فيلم عربي ناطق قادم من مصر باسم »انشودة الفؤاد « فقرر أصحاب »تحت سماء دمشق « استعمال بعض القطع الموسيقية العربية المسجلة على اسطوانات لتصاحب الفيلم , ولكن التجربة فشلت فنيا , وفشل ايضا عرض الفيلم , فتناقص عدد رواده الذين اعتادوا على السينما الناطقة الوافدة.
وبينما كان أصحاب الفيلم يفكرون بعرض الفيلم في صالة شعبية متواضعة , فوجئوا بالسلطات الفرنسية توقف الفيلم وتحجزه , لأن القطع الموسيقية التي عزفت مع الفيلم لها حق التأليف والتلحين عند عرضها
على الجماهير , وقد تقرر حجز الفيلم حتى يحصل أصحابه على هذا الحق , وكان أصحاب الفيلم يجهلون ما هذه الإجراءات وقد طلب منهم مبلغ خيالي يتجاوز ضعفي نفقات إنتاج الفيلم , وأدى هذا إلى توقيف الفيلم
مدة شهرين , وسمح بعرضه بعد ان اعفيت الشركة من الغرامة بعد وساطات والتماسات عديدة أجريت لاطلاق سراح الفيلم.

وكانت هذه الحادثة صدمة هزت الشركة , وفوتت عليها نسبة من الأرباح وكانت خاتمة الفيلم خاتمة إنتاج الفيلم الصامت في سورية في آخر عام ,1934 و بلغت الخسائر ثلاثمائة ليرة عثمانية ذهبية تحملها الفرقاء بالتساوي.

نداء الواجب:( 8)
بعد فيلم »تحت سماء دمشق ,« وبعد توقف شركة هيلوس فيلم عن العمل خمس سنوات قام أيوب بدري مع بعض الهواة بتصوير أفلام صامتة باسم »حرمون فيلم ,« ومن هذه الأفلام فيلم »نداء الواجب ,« مثل
فيه أيوب بدري نفسه وراقصة تدعى كريستين , وبعض الشباب ممن لهم هواية الظهور على الشاشة.
وعقب ذلك قام أيوب بدري بتصوير فيلم آخر عن ثورات فلسطين ضد الإنكليز أدخل عليه قطعا أخذها من الأفلام الأجنبية , وهي تمثل مشاهد الحروب »انفجار قنابل , سير دبابات , مناورات عسكرية .«

وفي عام 1938 حاول مصور فوتوغرافي بلغاري يعيش في دمشق اسمه جورج أرسوف أن يدخل هذا الميدان , فتعاون مع زهير الشوا , وصور فيلما
اسمه »الغرام عند العرب « ثم اختلف الشريكان ولم يحمض الفيلم ولم يطبع.

نور وظلام:( 9)
في أواخر عام 1947 قام نزيه الشهبندر بإنشاء ستديو في حي باب توما بدمشق , جهزه بمعدات للتصوير والصوت والإنارة والتحميض والطبع , وكان معظم الآلات من صنعه , وقد باشر بتصوير أول فيلم ناطق هو فيلم »نور وظلام « في عام 1948 من تأليف وسيناريو محمد شامل وعلي الارناؤوط , ومثل في الفيلم كل من المطرب رفيق شكري والممثلة ايفيت فغالي , وشامل ومرعي , وأنور البابا , »أم كامل « وحكمت محسن »أبو رشدي «-وكانا قد أصبحا ممثلين إذاعيين معروفين -بالإضافة إلى عبد الهادي الدركزنلي ونهاد العمري ونزار فؤاد فللنور الدير , وسعد الدين بقدونس وماري يونس.

وقد صادف تصوير أول لقطات الفيلم بدء العمليات الحربية فلسطين وإغارة اليهود بطائراتهم ليلا على دمشق والتصوير قائم في استديو الشهبندر فأطفئت أنوار المدينة , وأخذت المدفعية المضادة للطائرات تطلق قذائفها على الطائرات المغيرة , وهرب الممثلون والممثلات من الاستديو إلى الشارع بثياب التمثيل وعلى وجوههم طلاء الماكياج , وشارك في إنتاج الفيلم احمد الركابي مع نزيه الشهبندر وقد أعلن عن الفيلم انه الفيلم السوري-اللبناني الأول لأن ممثليه »نخبة من أشهر نجوم وكواكب سورية ولبنان .«

أما ملخص القصة فيقول: عادل ورفيق شقيقان يقيمان معا , أولهما عالم مكب على مختبره يتوصل إلى اكتشاف نوع جديد من المتفجرات , أما
الثاني فشاب مستهتر لا هم له إلا اللهو والتهتك. ولهذين الشقيقين خال مهاجر يعود من البرازيل مع ابنة أخت له تدعى »دلال « سرعان ما تهوى »رفيق « وتحاول ردعه عن سيرته.
ولرفيق صديق يدعى رشاد يعيش مع شقيقته رباب في شقة فتحا أبوابها للقمار وابتزاز أموال روادها.
وعندما كان عادل يعرض اكتشافه على هيئة فنية عسكرية ويحرز نجاحا كبيرا , يستيقظ الشر في نفس رجل أجنبي يغري رشاد بالمال لدفعه إلى الاستيلاء على الاكتشاف فيفعل. ويثور رفيق على صديقه انتقاما لأخيه , وتبدأ سلسلة من المغامرات المثيرة , و يتوصل إلى الأخذ بالثار و يسترد الاكتشاف بمعونة الشرطة وبفضل ما تبديه دلال من عطف وتشجيع وتعاون.

وقد قدمت الشركة للفيلم في الكراس بالكلمة التالية: »إننا نقدم باكورة إنتاجنا السينمائي , قاصدين من هذا العمل خدمة الوطن بإنشاء صناعة السينما فيه , وكلنا أمل بكل وطني حر أن ينظر بعطف وتقدير لهذه الصناعة الوليدة كي نتمكن من ترقيتها والنهوض بها إلى أقصى حد , والسلام .«

وقد عرض فيلم »نور وظلام « في جميع أنحاء سورية , ولبنان , وفي المهجر وحقق إيرادات لا بأس بها.

وقام نزيه الشهبندر بعد ذلك بتصوير أفلام للدعاية التجارية وأدخل تحسينات على الاستديو فصنع بيده جهازا آليا للتحميض , إضافة إلى الأجهزة والمعدات التي تميز بها الاستديو الخاص به.

عابر سبيل:( 10 )
تأسست في حلب عام 1950 شركة سينمائية باسم شركة عرفان وجالق , وقامت هذه الشركة بإنتاج فيلم »عابر سبيل « من إخراج وتصوير احمد عرفان , اشترك في تمثيله المطرب نجيب السراج , وهيام صلاح وسلوى الخوري وظريف صباغ , وكان يحتوي على مناظر مختلفة من سورية ولبنان.
جرى طبع وتصوير وتحميض هذا الفيلم في فرنسا بمعرفة أحمد عرفان الذي أوفد من قبل الشركة إلى هناك للقيام بهذه العمليات , فظهرت في بعض أقسام الفيلم صور رديئة وأخطاء في التمثيل , ولم تتمكن الشركة من إعادة تصوير هذه الأقسام بسبب وجود احمد عرفان في باريس بعيدا عن جو القصة , وكانت الموسيقا والغناء والمحاورات قد سجلت بآلة تسجيل عادية في سورية ونقلت الأشرطة إلى فرنسا لنقل الأصوات عنها إلى الفيلم , إلا أن العملية لم تنجح , فظهرت الأصوات في الفيلم غير واضحة أيضا.
عرض هذا الفيلم في حلب , ثم في المدن السورية باستثناء دمشق »التي عرض فيها في احتفال اليوبيل الذهبي « كما عرض في الأردن والعراق. ولبنان. وكان إيراده لا بأس به , إلا أن الشركة توقفت عن العمل , وظل احمد عرفان يعمل لحسابه الخاص , وصور أفلاما قصيرة كثيرة عن المؤسسات والمنجزات والآثار وغيرها.

الوادي الأخضر:( 11 )
في 1950 بدأ الفنان زهير الشوا بتأسيس مصنع صغير للأعمال السينمائية فجلب بعض الآلات وقام بتصنيع بعضها الآخر , وعمل بمساعدة مهندس الصوت سابو القادم من مصر إلى دمشق.
وفي بداية الستينات بدأ إنتاج أول فيلم روائي له هو فيلم الوادي الأخضر , لعب فيه دور البطولة إلى جانب أميرة إبراهيم , ودلال الشمالي وأكرم خلقي وخالد حمدي وجميل الحاج , وقام هو بإخراج الفيلم أيضا.
وقصة الفيلم مستوحاة من حكاية واقعية حدثت في بلدة دير عطية وترصد الخلافات بين العائلات على أرض زراعية , أو على مياه السقي , أي أن الموضوع مستوحى من الريف.

وتبدأ قصة الفيلم بخروج شاب من السجن أمضى فيه خمسة عشر عاما لارتكابه جريمة قتل في القرية , يعود إلى القرية ليزور أخاه , وشاهد في القرية ابنة المختار التي تتمتع بجمال باهر , ويفكر في البقاء بالقرية , لكن أسرة القتيل تريد أن تأخذ بالثأر , فيقرر أخوه الذي يحب الفتاة بدوره أن يضحي من اجل أخيه الذي ضحى من أجله بدوره وسجن خمس عشرة سنة , أي تضحية بتضحية. وهكذا يتم الأمر في إحدى ليالي الشتاء الباردة.

وراء الحدود:
عام ,1963 بدأ زهير الشوا فيلمه الثاني باسم »وراء الحدود « عن قضية فلسطين , وبعد عمل متواصل لمدة سنتين تبين أن استكمال العمل مستحيل لأن أحدا لم يقدم له الإمكانات اللازمة لإنتاج فيلم ضخم من هذا النوع على الرغم من انه صرف على التحضيرات الأول كل ما جناه من فيلمه الأول , »الوادي الأخضر .«

لعبة الشيطان:
آخر المحاولات الفردية في فترة إنتاج القطاع الخاص , انتج عام 1966 من إخراج زهير الشوا , و تمثيله هو وأميرة إبراهيم , ونوال محمد , ونجوى صدقي , ونجاح حفيظ , ومحمد علي عبدو , واكرم خلق , وصالح خلقي.
القصة لسعيد كامل كوسا , وهي قصة محام يحب غانية لدرجة الجنون , و يتحول بسبب هذا الحب إلى إنسان مهزوم , سكير ومقامر , فيترك زوجته وأولاده و يصبح متشردا , وعندما يكتشف خيانة عشيقته ينتقم منها برش وجهها بماء النار ويدخل السجن , ثم يخرج منه بعد فترة وقد فقد رخصةالعمل في المحاماة , فينزح إلى قرية من قرى وادي , بردى , وهناك يتعرف إلى فتاة لعوب هي ابنة صاحب مزرعة , ويهرب معها إلى الساحل بعد أن تسرق مبلغا كبيرا من المال من خزانة والدتها. و يقضي معها على الساحل
فترة من المتعة , وعندما ينفذ المال يتنكر لها ويعذبها ويصبح في حالة اقرب إلى الجنون. ويحن إلى أسرته فيعود إلى دمشق باحثا عنها , وعندما ييأس يحاول الانتحار برمي نفسه من بناية فتشاهده فتاة تأخذ بيده , وهناك تكون المفاجأة عندما تحضر الأم , فإذا هما زوجته وابنته , يفر من البيت في لتصدمه سيارة وينقل إلى المستشفى حيث تهرع إليه أسرته.

أفلام قصيرة وإخبارية:( 12 )
إلى جانب هذه الأفلام كانت هناك محاولات لدى بعض هواة السينما لتصوير أفلام قصيرة وإخبارية.
سجل نور الدين رمضان مثلا عام 1936 الأحداث الوطنية ونشاطات الكتلة الوطنية , وهو أول من صور أفلاما أخبارية لاجتماعات المجلس النيابي الأول في عهد رئيس الجمهورية محمد علي العابد , كما صور عودة الوفد السوري من باريس , والمظاهرات الصاخبة التي قامت في دمشق ضد فرنسا والانتداب الفرنسي , كما سجل أفلاما أخرى قيمة عن مختلف الأحداث التاريخية التي وقعت تلك الأيام.

بلغ ما صوره من الأفلام الأخبارية اكثر من أربعة آلاف متر , وواجه الكثير من المعاكسات من قبل سلطات الانتداب الفرنسي التي كانت تقاوم
فكرة صناعة سينمائية في البلاد , إذ كان يضطر لأخذ أفلامه المعدة للعرض إلى دائرة الرقابة الفرنسية في بيروت للحصول على ترخيص للعرض , و لما كانت اكثر المشاهد ترصد المظاهرات المعادية للفرنسيين والهتافات المؤيدة للكتلة الوطنية في المجلس النيابي فقد كانت الرقابة تقص ثلاثة أرباع الفيلم المصور وتسمح له بعرض الربع الباقي فقط , والذي لم يعد يحوى سوى مناظر لا قيمة لها. وقد منعت بعض أفلامه-حتى بعد الترخيص له- في حمص وحماه وحلب , وخسر من جراء ذلك مبالغ كبيرة.

كان أهم ما سجله نور الدين رمضان -بالإضافة إلى ما ذكرناه المهرجانات التي أقيمت لاستقبال المبعدين السياسيين من رجال الكتلة
الوطنية , واستقبال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وسلطان باشا الأطرش , وحفلة افتتاح معرض دمشق الصناعي عام ,1936 وتشييع جثمان الزعيم الوطني إبراهيم هنانو في حلب.
وعندما قامت الحرب العالمية الثانية توقف عن العمل مثل جميع الذين جمدوا أعمالهم في المجالات الفنية والصناعية
لعدم إمكان استيراد المواد الأولية من الخارج.

وفي عام 1937 قام جلال سيوطي بأعمال سينمائية وجلب أدوات لمخبر كامل وصور-مثلا -مخيم الكشاف في الزبداني , وفشل الفيلم.
وقد تمكن جلال سيوطي بعد ذلك و بمساعدة نور الدين رمضان من تصوير فيلم إخباري عن استقبال الوفد السوري برئاسة جميل مردم بك عند عودته من فرنسا , وعرض الفيلم في سينما سنترال , ولكن كان سيء الطباعة والتحميض , وتوقف بعد ذلك عن العمل مدة طويلة ثم رحل إلى
العراق ليجرب حظه , ولكنه لم ينجح في السينما فتحول إلى الصيدلة وظل يعمل صيدليا في العراق.

وفي عامي 1943 – 1944 قام في حلب نشاط سينمائي من قبل الدكتور خالص الجابري والسيد مهدي الزعيم وغيرهما وصوروا أفلاما قصيرة
لبعض المناظر.
وفي عام 1945 تأسست شركة الأفلام السورية المساهمة المغفلة وفي عام 1946 اتحدت هذه الشركة مع الشركة السورية-اللبنانية المساهمة المغفلة , وجمعت من بيع الأسهم مبالغ طائلة تفوق مليون ليرة.
وقد أنتجت الشركة عام 1947 في استوديوهات مصر فيلما طويلا سمي (ليلى العامرية) تمثيل كوكا ويحي شاهين ونفر من الممثلين السوريين
واللبنانيين , وقام بإخراج الفيلم نيازي مصطفى وصوره وأهان , وكلف حوالي 300 ألف ليرة سورية , وهذا الرقم يفوق تكاليف الأفلام المصرية عادة رغم ضعف الفيلم وهلهلة الحوار الذي تقلب لمجن الفصحى والعامية المصرية ,

ولم تعد الشركة بعد ذلك إلى الإنتاج , ومع ذلك تابعت دفع تعويضات لما سمي مججلس الإدارة وكان مجلس الإدارة يتألف من أشخاص لا تربطهم بصورة عامة بالعمل السينمائي أية رابطة من خبرة أو دراية.

وعندما عاد احمد عرفان من باريس عام 1949 بعد أن درس السينما في معهد عال هناك جلب معه آلة تصوير من قياس 35 مم وأسس في حلب
شركة مع صادق الحناوي صورت أول فيلم لها واسمه »الجيش السوري في الميدان ,« وهو يمجد بطولات الجيش السوري في حرب فلسطين ثم حلت الشركة بعد ذلك.

وفي عام 1951 أسس يوسف فهده في دمشق مخبرا سينمائيا يحتوي على معدات للتحميض والطبع والتسجيل , وفي خلال عامي 1952 – 1953 أخرج فيلمين ملونين عن دمشق واللاذقية قياس 16 مم وتوجد الآن نسخ من هذين الفيلمين في وزارة السياحة.
وفي عام 1954 كلفته مديرية الدعاية والأنباء بإخراج وتصوير فيلم عن معرض مدرسة دار المعلمين وكان يحتوي على أشغال فنية مختلفة من صنع الطلاب , وقد طبع من هذا الفيلم عدة نسخ بثلاث لغات: العربية و الفرنسية و الإنكليزية لعرضه في جميع أنحاء العالم, و في العام ذاته اخرج فيلم بالأسود و الأبيض عن دار حماية الأحداث في دمشق, و بطل القصة طفل اسمه زياد. و قد أظهر الفيلم كيفية انحراف الأحداث و العوامل التي تؤثر على انحرافهم. و أنتج لحساب وزارة العدل و عرض في مؤ تمر حماية الأحداث تحت إشراف اليونسكو في القاهرة, و كان الفيلم الذي عالج هذا الموضوع.

وفي أواخر عام 1954 أوجد يوسف فهدة طريقة لتصوير أفلام سينما سكوب دون الاستعانة بعدسة شركة فوكس لقرن العشرين, و صور فيلما بهذه الطريقة عن دمشق و عرض في سينما روكسي و استخدم لذلك
تركيبا خاصا لعدسة عرض الفيلم السينما سكوب أثناء التصوير.
و في عام 1955 سافر إلى بيروت حيث مكث هناك سبع سنوات و أخرج هناك فيلما قصيرا بالألوان و السينما سكوب عن لبنان, طهرت فيه الممثلة نور الهدى و اسمه »في ربوع لبنان .«

وأخرج عام 1958 فيلم (لمن تشرق الشمس) بالسينما سكوب-أسود وأبيض-و عاد إلى دمشق في مطلع 1962 حيث أخرج فيلما ثقافيا لحساب
وزارة الثقافة و بالألوان عن الفنون التطبيقية في سوريا و أفلام أخرى قصيرة منوعة كان آخرها عن المرأة السورية.

منعطف السينما الكبير:( 13 )

كان تأسيس المؤسسة العامة للسينما في أواخر عام 1963 منعطفا كبيرا في مسيرة السينما السورية إذ دخل القطاع العام هذا الميدان الثقافي و الفني الهام بعد خمسة و ثلاثين عاما من بدء الإنتاج السينمائي في القطر, بالرغم من الأصوات التي أطلقها المتخرجون المحدثون من المعاهد السينمائية العالية في أوروبا منذ بداية الخمسينات حول حقيقة السينما و أهميتها فكريا و اجتمعيا و سياسيا, و التي تدين السينما التقليدية المختلفة و تندد بها و تدعو إلى إعادة النظر في المفاهيم السائدة عن السينما كأداة تسلية و ترفيه و تطالب بتدخل الدولة لتنظيم هذا القطاع..

و قد كانت هذه الأصوات تلقى استجابة طيبة و آذانا صاغية من فئات المثقفين المختلفة, حتى إذا بدأت التحولات الاجتماعية الأساسية مع قيام ثورة آذار عام 1963 أصاب السينما نصيب وافر من هذه التحولات. والواقع أن السينما قبل إنشاء المؤسسة كانت قطاعا مهملا لا تنظمه قانونيا سوى القوانين و الأنظمة السائدة و العموميات المتعلقة بأصول الاستيراد و التصدير.( 14 )

كانت هناك لجنة للسينما في المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب والعلوم الاجتماعية الذي أسس عام , 1959 تصدر بعض الدراسات و التوصيات, و بعد تأسيس وزارة الثقافة والإرشاد القومي في سورية عام 1958 أنشئت فيها دائرة صغيرة للإنتاج و التصوير السينمائي برئاسة صلاح دهني, حيث أنتجت بعض الأفلام القصيرة. و من هنا ولدت فكرة أحداث مؤسسة عامة للسينما, و قد صدر المرسوم التشريعي رقم 258 في 12 \ 11 \ 1963 بأحداث مؤسسة عامة للسينما ذات استقلال إداري و مادي تقوم بإنتاج الأفلام القصيرة و الروائية, و أصبح لهل منذ ذلك العام نشاط عملي ملموس و أساسي على هذين الصعيدين, و قد عدل وضع المؤسسة بالمرسوم رقم 18 بتاريخ 15 / 2/ 1974 .

وقبل أن نقف على تفاصيل إنتاج المؤسسة في مجال الأفلام الروائية الطويلة والأفلام القصيرة والوثائقية لا بد من أن نقول إن إنتاج الفيلم الروائي الأول لم يتحقق إلا بعد مرور أربع سنوات على إنشاء المؤسسة , ذلك لأن المؤسسة ركزت عملها في مرحلة التأسيس وضمن خطة محددة ومدروسة على إنتاج الأفلام الوثائقية القصيرة كهدف-من ضمن أهداف أخرى-لزيادة خبرة الفنيين الشبان العاملين فيها ممن بدأوا يعودون من البعثات التي أوفدوا بها إلى مصر وأوروبا أو الذين اكتسبوا المهنة من خلال الممارسة والتدرب محليا وخارجيا.

وفي الفترة التأسيسية أنتجت المؤسسة مجموعة من الأفلام القصيرة أكملت بها المجموعة الأولى التي   إنتاجها أيام كان القطاع العام دائرة
صغيرة في وزارة الثقافة والإرشاد القومي. كان الهدف من إنتاج تلك الأفلام( 15 ). تغطية وجوه مختلفة من الحياة الثقافية والاقتصادية والعمرانية والحياتية في سورية لما كانت تطلبه
السفارات والمنظمات الطلابية في سبيل تعريف العالم بسورية في ماضيها العريق ونهضتها الحديثة.. ولم تكن أفلام تلك المرحلة التأسيسية تتميز بطابع البحث في مجال أيجاد لغة سينمائية جديدة وما إلى ذلك بل كانت مجرد أفلام نظيفة مهنيا وسليمة فكريا بوجه عام صالحة لإداء المهمة التي أوجدت من أجلها , ثم وجدت المؤسسة أن الأوان قد آن بعد تلك الفترة التمهيدية في عمل الفنيين واكتسابهم حدا معقولا من الخبرة للبدء بإنتاج الأفلام الطويلة , وقد استدعت المؤسسة المخرج اليوغسلافي بوشكو بوفوتشينيتش وأحاطته بمجموعة من المساعدين الفنيين وأخرج أول أفلامها الطويلة.

سائق الشاحنة:( 16 )
أول فيلم سوري طويل يقدم معالجة واقعية وشاعرية عن استغلال الإنسان الكادح من خلال قصة صراع محتدمة بين سائقي الشاحنات المطالبين بزيادة الأجر من جهة وبين أرباب العمل من جهة أخرى.
تتميز القصة بكثير من الجدة إذا ما قورنت بما حققته السينما التقدمية في كل مكان , غير أنها في مسار سينما ناشئة تمثل علامة على الطريق خاصة إذا ما نظر إليها بالمقارنة بالأفلام الأخرى التي كان القطاع الخاص قد شرع بإنتاجها.
يعتبر هذا الفيلم من إنتاج عام ,1968 ولكن بدء العمل فيه كان في عام ,1967 وأثناء عدوان حزيران( 17 ) وقد لعب فيه دور البطولة كل من هالة شوكت وخالد تاجا مع عبد اللطيف فتحي وصبري عياد وابتسام جبري وثناء دبسي وبهاء سمعان وغيرهم.
ومهما يكن يظل لهذا الفيلم أهمية خاصة , وبالرغم من أن مخرجه أجنبي فانه كان أول فيلم روائي طويل ينتجه القطاع العام وتتكامل فبه عناصر وميزات هذا الفيلم بالرغم من الهنات التي لا بد من وقوعها في
مثل هذه التجربة الوليدة.

رجال تحت الشمس:
من إنتاج عام 1970 أي بعد مرور ثلاث سنوات على الإنتاج الروائي الأول وهي ثلاثية أطلق عليها اسم (رجال تحت الشمس) وتضم ثلاث قصص:
1-الميلاد -إخراج محمد شاهين.
2-اللقاء-إخراج مروان مؤذن.
3-المخاض -إخراج نبيل المالح.
وقد أنتجت هذه الثلاثية عن العمل الفدائي الفلسطيني.

أما قصة الميلاد فهي عن معلم شاب يقف حائرا بين الاكتفاء بإ يمانه بشرعية المقاومة وضرورة مساندتها وبين درارسته التي يؤمن به.
أما قصة اللقاء بطولة خالد تاجا فهي عن لقاء عابر بين فدائي فلسطيني وفتاة أجنبية تزور الأرض المحتلة لأول مرة وهي متأثرة بوجهة نظر الدعاية الصهيونية المغرضة , وخلال معايشتها للواقع تكتشف زيف هذه الدعاية وتؤمن بنبل وشرعية المقاومة الفلسطينية.
أما قصة المخاض تمثيل سليم موسى ونبيلة النابلسي فتروي قصة مطاردة قوات العدو الصهيوني لمواطن عربي وزوجته الحامل وتتخلل خلال هذه المطاردة وبإطار رمزي عملية ولادة صعبة للإنسان العربي رجل المقاومة.

المسكين :
إنتاج عام 1971 وإخراج خالد حمادة وبطولة رفيق سبيعي وسهير المرشدي وبسام لطفي.
أما القصة فمقتبسة عن قصة غسان كنفاني – ماذا تبقى لكم -صوره جورج لطفي الخوري ووضع موسيقاه صلحي الوادي.
يقول المخرج عن فيلمه ملخصا قصته: يعالج الفيلم جانبا من القضية الفلسطينية بشكل غير مباشر وضمن إطار جديد. في الفيلم ثلاثة أبطال:
حامد ومريم وزكريا.
حامد شاب حالم في العشرين يغادر غزة إلى الضفة الغربية عن طريق الصحراء للالتحاق بأمه الموجودة هناك منذ عام ,1948 وذلك على أثر خيانة أخته مع رجل يحتقره هو زكريا. خلال مسيرته يستعيد صور حياته مع أخته ومع زكريا وتقودنا هذه الصور بدورها إلى مريم ومأساتها وزكريا ونذالته.

في الصحراء يلتقي حامد بجندي إسرائيلي تائه وعند هذا اللقاء تأخذ حياته مجرى آخر. يصور الفيلم الفتاة مقطوعة الجذور عن أهلها وعن بيتها الأصلي عندما يغرر بها رجل سافل وضالع في التعاون مع سلطات الاحتلال , الشقيق فلا يجد سبيلا إلى مساعدتها ولا يلتزم بالدفاع عنها أو محاولة إنقاذها , بل يدعها-عن عجز-تسقط فريسة بيد مغتصبها ثم يهيم على وجهه في الصحراء هاربا بجلده من مواجهة مشكلة شقيقته ومن الاحتلال.

الفهد:( 18 )
انتج عام 1972 وإخرجه نبيل المالح عن قصة حيدر حيدر , ولعب لوري البطولة فيه أديب قدورة وإغراء وقام بتصوير الفيلم حسن عز الدين.
وقصة الفهد قصة فلاح بسيط انتزعت منه أرضه في عهد الإقطاع ثم سجن وضرب في السجن بوحشية لا إنسانية فيها من قبل أدوات القمع آنذاك متمثلة بالدرك , ثم هرب من السجن ومعه بندقية إلى الجبال وهناك
بدأ صراعه الدامي مع الدرك وعصابات الإقطاع. في ذلك الحين لم تكن ظروف الثورة مهيأة , كانت عواطف الفلاحين معه , ولكن سيوفهم كانت ما تزال في إغمادها , ولهذا ظل وحيدا , ولكن الفلاحين أحبوه وما وشوا به إلى أن خانه المرتشي من السلطة الإقطاعية فسلمه , وشنق ذات فجر وكان وجيدا.

كانت مشكلة بطل الفهد هي كونه وحيدا , وقد عاش مأساة الثائر الفرد عندما يفتقر إلى رؤية شمولية للأمور. الفيلم يصور مأساة الثائر الفرد الذي تمثل نقاطا مضيئة في تاريخ الشعوب تخبو بسبب عدم القدرة على الحركة والثورة عند الجماهير بسبب افتقارها للوعي. السياسي والطبقي , كما يصور الفيلم الإقطاع كنظام انتج الفيلم عام 1973 وأخرجه توفيق صالح عن قصة غسان حكم والسلطه مخلبا لهذه الطبقه.

المخدوعون:( 19 )
كنفاني (رجال تحت الشمس) وهو العمل السادس للمخرج , ولعب دور البطولة فيه كل من: عبد الرحمن آل رشي وعدنان بركات وثناء دبسي وبسام لطفي ومحمد خير حلواني وصالح خلقي , وقد نال الفيلم خمس
جوائز عربية ودولية.
يروي الفيلم قصة ثلاثة من الفلسطينيين ممن شردهم الاحتلال الإسرائيلي خارج أرضهم واتخذت مصائرهم خطوطا متباينة , اتفقوا مع سائق شاحنة صهريج على تهريبهم إلى الكويت عبر الطريق الصحراوي ,
لكنهم يموتون دون غايتهم قبيل بلوغهم الهدف. يتميز الفيلم في بدايته بجزء توثيقي عن بدايات الصراع العربي-الصهيوني منذ عام 1948 وقد ساق المخرج هذا الجزء ببطء ولكن بقدرة وثقة. ومن ثم يتابع الفيلم قصة أبطاله الثلاثة , كل على حدة في ضياعهم وتشردهم إلى أن يتم التقاؤهم في سيارة الصهريج التي ستقلهم إلى ارض خلاصهم أو موتهم.

تضاربت آراء النقاد حول هذا الفيلم , رآه البعض ساذجا لا يخدم القضية الكبيرة التي وظف من أجلها ورآه البعض الآخر عكس ذلك.

وجه آخر للحب:
إنتاج ,1973 من إخراج محمد شاهين وبطولة منى واصف و يوسف حنا وإغراء وهاني الروماني وأديب قدورة ونبيلة النابلسي , أما إعداد القصة والسيناريو فقد قام به بدر الدين عرودكي وخلدون الشمعة بالتعاون مع
المخرج محمد شاهين.
يبدو محمد شاهين-من خلال معالجة القصة العصرية في الفيلم , ومن خلال لمسات صغيرة ذكية في الحركات والعلاقات الإنسانية اليومية بين الناس , ومن خلال الانتقادات اللماحة المريرة والساخرة والحادة-محاولا أن يعري-دون استعراض-الكثير من أدواء مجتمعنا المعاصر إذ أن قصة الفيلم ترتكز في الأساس على الممارسة المغلوطة لمفهوم الطموح والركض وراء سراب الشهرة والمال والنساء خارج حدود الوطن.
وبالرغم من أنه كسر مفهوم الزمن إلا أن خيوط القصة لم تضع منه بحيث لم يدع المتفرج يضيع بين المشاهد المتتالية أو المتداعية كما انه وظف الجنس في الفيلم توظيفا موضوعيا , وقدم مشاهد الجنس بصورة فنية لا تخدش العين والذوق.

يمكن أن نلخص الفيلم في قصة تصور فيها-ومن خلال أحداث عاطفية مفعمة بالحب -حيرة طبيب شاب وتوزعه بين أن يشق طريقه في بلده بهدوء وثبات منسجما مع نفسه وأصالته أو أن يسافر إلى بلد آخر يعتقد
انه يحقق فيه طموحه طفرة واحدة. ويقرر أن يغامر مستجيبا لنداء طموحه وحبه الذي تمثل في تلك السيدة التي أحبته بعد أن أجرى لها عملية جراحية , فيسافر مخلفا وراءه بلده ومساعدته الممرضة التي أحبته بصمت , ليكتشف شيئا فشيئا أن هذا الحلم الوردي الذي عاشه قبل سفره ما هو إلا واقع واه والطريق إليه غالية الثمن مفعمة بالمخاطر فمن يدفع الثمن , و يقرر الطبيب في النهاية العودة إلى بلده ليبدأ حياة جديدة.

العار:
ثلاثية أنتجتها المؤسسة عام 1973 عن ثلاث قصص لفاتح المدارس: رشو آغا -خيرو العوج -عود النعنع.

1- رشو آغا: أخرجها بشير صافية باسم العبد , وترصد قصة محاولة أحد الفلاحين التخلص من الدين الذي يتحكم به أحد المرابين بسببه وتنتهي قصة الفلاح فيما يغتصب الإقطاعي ابنته ويدفع الدين للمرابي.
2- خيرو العوج: أخرج القصة وديع يوسف , ويحكي الفيلم قصة الصراع بين الفلاحين الفقراء وبين أحد الإقطاعيين الذي يريد اغتصاب أراضيهم بشرائها منهم بثمن بخس.
3- عود النعنع: أخرج القصة بلال صابوني وتتحدث عن مراحل ماضية من تاريخ الريف في سورية , وتحكم الإقطاع فيه من خلال قصة طفلة يقتل الإقطاعي والدها و تموت هي أثناء البحث عن دواء لأمها المريضة.

ويلاحظ أن القاسم المشترك بين القصص الثلاث هو الصراع ضد الإقطاع.. وقد حقق المخرجون الثلاثة هذه القصص من خلال معالجة سينمائية ذكية ومتطورة.

اليازرلي:
إنتاج عام ,1974 أخرجه قيس الزبيدي عن قصة (على الأكياس) للكاتب حنا مينه.. وقام بالتمثيل كل من: ناديا رسلان ومنى واصف وعبد الرحمن آل رشي واحمد عداس وعصام عوجي واكرم العابد , يرصد الفيلم شريحة من الواقع الاجتماعي والاقتصادي من خلال قصة طفل يخوض عالم الرجال وهو في سن المراهقة فيتعرف على الحياة عبر تجارب عديدة يمر بها , تختلط فيها الأحداث الواقعية لذكرياته وتصوراته الخيالية الذهنية التي تمثل ردود فعله تجاه هذا الواقع الذي يعيشه في منطقة الساحل.

يقول المخرج: جئت إلى فيلم اليازرلي بعد تجربة دراسية وعملية متعددة الجوانب , أعجبتني القصة لأن فيها صورة عن طفولتي وطفولة كثيرين , وقد أقدمت على إخراجها بحماسة كبيرة لاعتقادي بان القصة القصيرة منطلق غني للسينما وللغة السينمائية , لأن السينمائي يبدأ بهذا المنطلق ولا يقف عنده كما قد يحدث معه إذا أخذ فيلمه عن رواية أو مسرحية.
كنت اطمع إلى تحويل العمل إلى فيلم تجريبي , والى تحقيق إضافة جديدة للسينما العربية الجادة. انطلاقا من هذه النقطة آثار فيلم اليازرلي- رغم انه لم يعرض إلا عرضا خاصا-الكثير من الجدل والنقاش بين النقاد ,
خاصة انه الفيلم الروائي الأول لقيس الزبيدي الذي حقق مجموعة أفلام قصيرة متميزة , وقد أجمع النقاد الذين كتبوا عن الفيلم أنه فيلم صعب , وأن البعد الإنساني الذي يطرحه حنا مينه في أدبه بحاجة إلى قدرة سينمائية متمكنة لتصويرها في الواقع , على الرغم من أن الفيلم يتخذ من الواقع مادة عبر تجربة طفل من قرى الساحل ومن خلال عينيه وهو يكتشف المعاناة والكبت والفقر في المحسوسات الحياتية والمواقف المتتالية عبر بنى اجتماعية مختلفة في القرية وفي الميناء وعبر مجتمع المدينة.

لقد حول المخرج هذا الواقع إلى صورة شاعرية مما آثار خشية النقاد في أن يشوش هذا رؤية المتفرج العادي لمشكلة وأبعاد الصراع الطبقي , وهي المشكلة الأساسية في الفيلم وفي شخصية بطله اليازرلي.

الحياة اليومية في قرية سورية:
إنتاج عام ,1973 وهو تجربة جديدة خاضها الكاتب سعد الله ونوس مع المخرج عمر اميرالاي , عندما انتقلا إلى قرية مويلح في محافظة دير الزور لتحقيق الفيلم من خلال طريقة عمل جديدة إلى حد ما بالنسبة للعمل
التقليدي في الأفلام السينمائية , وكانت طبيعة الموضوع المختار هي التي فرضت-منذ البداية-نوعا من العمل الجماعي تتكفل به مجموعة متجانسة تقوم بالبحث والدراسة والتحليل وتوجيه التصوير.

وقد اختار الكاتب والمخرج منطقة دير الزور بالذات لأنها واحدة من المناطق التي تعكس-أكثر من غيرها-المشكلات الأساسية للريف السوري و بشكل حاد , فكل ظواهر التخلف والمشكلات الزراعية والاجتماعية تبدو مكثفة وبارزة في منطقة الجزيرة بشكل عام , وقد أعطى اختيار قرية في تلك المنطقة فرصة عرض هذه المشكلات ولو بشكل سريع.

لقد رصد الفيلم الوجود الإنساني في القرية عندما يكون في شكله المبسط , مشكلة الأكل والسكن واللباس والصحة , وقد رأينا في الفيلم جرأة من إنسان الريف-الذي ليس لديه الكثير مما يخسره أو يخاف عليه -في مواجهة المشكلات وفي التعبير عنها وفي طرحها بشكل صريح ودون خجل أو حذر.

وحول سؤال عما إذا كان الفيلم قد اتبع خطا روائيا قال سعد الله ونوس في مقابلة نشرت في العدد التاسع من نشرة سينما التي كانت تصدرها المؤسسة العامة للسينما:
حتى في ميدان الفيلم الوثائقي هناك من يقول إن مثل هذا الفيلم قليل الأهمية يتماثل تقريبا مع التصوير الفوتوغرافي الجامد لبعض الوقائع اليومية. هنا يجب أن نغير هذه النظرية , صحيح أن الفيلم الوثائقي يعتمد
على مادة موجودة في الحياة اليومية , لكنه لن يكون فيلما إذا لم يستطع أن يضع هذه المادة في سياق معين من خلال رؤية محددة , ويجب ألا ننسى هنا أن الفن بصورة عامة إ ما ينطلق من الوقائع اليومية لحياة الإنسان وما يميز عملا من عمل هو الكيفية التي يتم بها التقاط المادة وتصويرها وتحليلها.

هكذا الأمر بالنسبة لفيلم الحياة اليومية في قرية سورية , إننا ننطلق من الواقع لكي نقدمه من خلال فكر معين وبناء على تحليل دقيق لا يقوم على الانطباعات المجردة ولا يضحي بالحقيقة الموضوعية من أجل اللمسة
الفولكلورية أو الجمالية.

السيد التقدمي:
إنتاج عام 1974 ملون من إخراج نبيل المالح , يحاول الفيلم باختصار عرض واقع سياسي واجتماعي غير محدد من خلال محاولة أحد البورجوازيين شراء ضمير أحد الصحفيين , أو كما جاء في النشرة المرافقة
للفيلم: صحفي شاب يحاول فضح أحد البورجوازيين الذين يدعون التقدمية , يحاول الصحفي أن يحصل على وثائق تدين البورجوازي فيلجأ الأخير إلى توريط الصحفي في جريمة ارتكبها هو , ويحاول بعد ذلك مساومة الصحفي لاعتقاده بوجود صور ووثائق تدينه لديه.
يحصل الصحفي على الوثائق فيما بعد من أمينة سر (سكرتيرة) البورجوازي الذي يلجأ إلى خدعة يحصل بواسطتها على الوثائق. في النهاية ينتصر البورجوازي وفي الوقت نفسه تتكشف أمام المقربين
إليه جميع جرائمه وسقطاته.

الفيلم -كما يبدو من ملخص أحداثه -مقتبس , وبالفعل اقتبسه وأعده قيس الزبيدي ونبيل المالح عن قصة أجنبية لموريس ويست , عنوانها (إظهار الحقيقة) وكانت قد تحولت قبل ذلك إلى فيلم أجنبي.
لقد نجح المخرج في تقد ~ الفكرة التي يريدها ضمن خط درامي معقول , واستطاع إقناع الجمهور بفساد طبقة تصل إلى السلطة عبر ممارسات خاطئة ودنيئة , ولكن تحقيق الفيلم   ضمن أحداث تظل بمجملها
وإيحاءاتها بعيدة نسبيا عن مجتمعنا , وان كان المخرج قد صرح بأنه وجد في هذه القصة مادة صالحة بشكل ما لوضع إسقاطات سياسية معينة , بالرغم من أن عدم تحديد البيئة أساء إليه في الإخراج , إذ أنه يحب أن
يسند ظهره عادة في أفلامه إلى جدار متين من الفهم للبيئة , الأمر الذي افتقده في فيلم السيد التقدمي وسبب له صعوبات في العمل.

المغامرة:
إنتاج عام ,1974 من إخراج محمد شاهين وهو مأخوذ عن مسرحية سعد الله ونوس مغامرة (راس المملوك جابر ( يرصد الفيلم قصة تاريخية , محاولا إعطاء بعض التفسيرات المعاصرة لها من خلال تناول موضوع الصراع على السلطة بين خليفة بغداد ووزيره , إذ يحاول الوزير الاستعانة بجيوش الأعداء لنصرته و يستغل مملوك حارس موقف عدم استطاعة الوزير إرسال رسالة إلى العدو فيقترح عليه أن يكتب الرسالة على رأسه بعد أن يحلق شعره.
و يذهب الحارس في مهمته تحدوه أحلام كثيرة بالثروة والجاه والجواري ولكنه يكتشف بعد فوات الأوان أن الوزير طلب من العدو قطع راس حامل الرسالة. وبهذا تنتهي هذه المغامرة الانتهازية إلى فشل.

استطاع المخرج أن يحقق الإسقاط الفكري الذي أراده من هذا الفيلم , واستطاع أن يقول من خلاله أن الانتهازية لن تؤدي بصاحبها إلا إلى الفشل والموت , بينما يظل الشعب هو الذي بيده كل شيء وهو المنتصر في النهاية »المشهد الختامي للشعب وحده يتصدى لجند الأعداء وينتصر عليهم .«

وظف المخرج مشاهد الرقص في الفيلم والتي رآها بعض النقاد مبالغا فيها للتعبير عن أحلام الانتهازي جابر بالنساء , والثروة , أو لتفسير ظلم السلطة في مشهد اغتصاب الفتاة , أو لإبراز الوزير غارقا في ملذاته »مشاهد الجنس بين الوزير والجارية .«

كفر قاسم:( 20 )
انتج عام 1974 من إخراج برهان علوية , أما الممثلون الرئيسيون في الفيلم فهم عبد الرحمن آل رشي , احمد أيوب , سليم صبري , شفيق
المنفلوطي , شارلوت رشدي , زينه حنا , انتصار شما , قام بتصويره بيتر اونجيه.
يرصد الفيلم من خلال مقدرة سينمائية متمكنة قصة الصراع العربي-الإسرائيلي من خلال المأساة المرعبة التي وقعت في كفر قاسم في 29 تشرين الأول من عام 1956 ( 21 ) عندما أعلن الحاكم العسكري الإسرائيلي منع التجول في القرية , وكان عدد كبير من أهلها خارج القرية يعملون في الحقول والمشاغل دون أن يكون لديهم علم بمنع التجول الذي ابلغ لمختار القرية قبل نصف ساعة من موعده فقط , وعندما عاد الأهالي إلى القرية حصدتهم رشاشات الجنود الإسرائيليين بحجة انهم خالفوا أوامر منع التجول , وكان عدد شهداء المجزرة سبعة وأربعين شهيدا من الرجال والنساء والأطفال.

لم يكن فيلم كفر قاسم-كما أكد النقاد-مثل غالبية الأفلام المنتجة عن القضية الفلسطينية أي مجرد صور تتابع , وإنما كان عملا سينمائيا متكاملا ووثائقيا , اعتمد على الأحداث الروائية التي أعاد بها تركيب الواقع في قرية كفر قاسم الفلسطينية قبل وأثناء وبعد المجزرة , وذلك في تحليل علمي جاد وواضح , ومن خلال رؤية إبداعية محددة قوية , أثبت بها برهان علوية جدارته كمخرج سينمائي كبير , وهو يقدم تحليلا للواقع السياسي والاقتصادي والثقافي في تلك الفترة والذي كان يعيشه العرب الفلسطينيون داخل أراضيهم المحتلة , فاضحا بذلك النظرة العنصرية الإرهابية التي يترأسها العدو الصهيوني ضد المواطنين الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة.

كل ذلك عبر بناء سينمائي وفكري يؤدي في النهاية إلى عدالة القضية الفلسطينية وتأييد نضال الجماهير العربية الفلسطينية المشروع من اجل تحرير أراضيها والدفاع عن حقوقها المسلوبة.
من هنا لم يكن مستغربا أن يحدث الفيلم -عندما عرض في باريس وفي أماكن أخرى من العالم-ضجة كبيرة لأنه استطاع أن يصل من خلال الطرح
الموضوعي والتوثيقي والفني إلى الرأي العام العالمي , مما يؤكد أن السينما سلاح هام في القضية العربية عندما نحاول أن نستخدمها الاستخدام الصحيح.

نال الفيلم الجائزة الذهبية وجائزتين أخريين في مهرجان قرطاج كما كان حديث نقاد السينما في العالم لأنه كشف مدى زيف وادعاء الصهيونية وكشف الواقع المر الذي يعيشه الفلسطينيون تحت نير الاحتلال الصهيوني , الذي اغتصب أرضهم ثم فرض عليهم نوعا من الحياة الذليلة القاسية , وهو لا يتورع عن هدم بيوتهم وتهجيرهم وتنفيذ مجازر جماعية فيهم.

من هنا كان فيلم كفر قاسم من أهم الأفلام التي حققت عن القضية الفلسطينية أن لم يكن أهمها على الإطلاق.

الاتجاه المعاكس:
إنتاج عام ,1975 أخرجه مروان حداد وقام بأدوار البطولة فيه كل من: منى واصف وبسام لطفي وعبد الهادي الصباغ وصباح جزائري ويوسف
شويري , وكتب السيناريو حسن سامي يوسف ومروان حداد , وقصة هذاالفيلم محاولة جادة لرصد وتحليل المعاناة اليومية لمجموعة من الشباب من انتماءات اجتماعية وطبقية مختلفة في فترة ما بعد نكسة حزيران ,1967 وانعكاس تلك المرحلة على مختلف همومهم السياسية والاجتماعية والحياتية وسيطرة الشعور بالخيبة السياسية والاستغراق باجترار مرارة الهزيمة والإحساس بعدم جدوى العمل من اجل تجاوزها.

في الوقت ذاته يؤكد الفيلم على دور النموذج الإيجابي الذي لم تفقده الهزيمة قناعاته بضرورة تجاوزها والتحرك من اجل ذلك على مستوى
الممارسة العملية التي تتجسد بأوضح واصدق مظاهرها في الكفاح المسلح.
إن التصدي لمثل هذا الموضوع الصعب يعتبر خطوة جريئة ومتقدمة من المخرج مروان حداد , وان كان لا ينفرد وحده في هذا المجال فان اكثر مخرجي القطاع العام في سورية حاولوا أن يتصدوا للأفلام السياسية وان يرصدوا من خلال أعمال مختلفة في الطرح والمضمون والمستوى واقع معاناة الإنسان العربي في معركته الطويلة ضد القهر والعدوان والاحتلال والاستغلال.

حاول المخرج أن يبتعد عن الفذلكة السينمائية وان يصور فيلمه بنوع من الواقعية التي تطرح شريحة حياتية معينة من حياة شبان يعيشون نوعا من الضياع واللامسؤولية في المشاكل الفردية , بحيث يشكل إطارهم الاجتماعي نوعا من الانشوطة حول عنق عاطف المتأزم من حادث عاشه
في حرب حزيران , بينما نرى رفيقه الآخر متأزما أيضا ولكن من خلال نظرة موضوعية للأمور تجعله في النهاية يرفض الحياة الهانئة مع المرأة التي أحبته , و يلتحق بالعمل الفدائي ليستشهد في إحدى العمليات.

الأحمر والأبيض والأسود:
إنتاج عام ,1977 أخرجه بشير صافية , ولعب دور البطولة فيه عدد من الأطفال بالإضافة إلى الممثلين منهم احمد عداس ومنى واصف.
ترصد قصة الفيلم صورا من المجتمع بين 1967 و 1973 وكيف انقلبت المفاهيم لدى قطاعات اجتماعية مختلفة.

كان معظم أبطال الفيلم من الأطفال فان تحقيقه من المهمات الصعبة التي تواجه السينمائي عادة.
قلنا إن الفيلم يقدم شريحة اجتماعية تضم مجموعة من الأطفال النازحين عن أرضهم التي اقتلعهم منها الاحتلال الصهيوني لكي يواجهوا
من ثم شرطا قاسيا جدا في بيت آبي حمدي الجشع , والذي لا يتورع عن أن يسحق فيهم البقية الباقية من الأمل في الاستمرار ضمن شروط الحد
الأدنى لتوفر المناخ المناسب لهم.
إذن فنحن أمام موضوع جديد ودقيق لا يمكن النظر إليه إلا تجربة جادة ضمن الإطار العام للعمل السينمائي المحلي.
الأبطال يولدون مرتين :
إنتاج عام ,1977 أخرجه صلاح دهني ولعب دور البطولة فيه: عماد حمدي وفراس دهني ومنى واصف وصباح جزائري , و يعتبر خطوة متقدمة
وعملا متميزا بين الأفلام العربية التي أنتجت في عدة أقطار من الوطن العربي وعالجت موضوع الاحتلال الصهيوني في فلسطين ومقاومة الشعب
العربي الفلسطيني له. ويؤكد هذا الرأي التقدير الذي لقيه الفيلم في مهرجان موسكو السينمائي ,1977 وفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ,1977 وما كتبه عنه النقاد في الصحف من خلال العروض الخاصة التي قدم من خلالها أو العرض الجماهيري الذي قدم به في صالة الكندي وضرب رقما قياسيا في استقطاب الرواد.

يقول صلاح دهني: إن همي الأساسي كان أن أضع فيلما يصل إلى الجماهير في بلادي التي تشوهت أذواقها من دفقات لا تنتهي من الأفلام
المصرية والأوروبية وأفلام القطاع الخاص المحلي , ومع احترامي للجان التحكيم في المهرجانات فأنني حين كنت أعمل في الفيلم لم اكن أفكر. قط بإرضائها , بل كان همي أن أسوق القصة بلغة سينمائية بحتة وبسرد مبسط وأسلوب بعيد عن طليعية كاذبة ومقلدة , مستغنيا بذلك كله عن المشوقات التقليدية في الأفلام الاستغلالية الابتزازية ومبتعدا عن التعالي على الجمهور.

إن عمل مثل هذا الفيلم في الظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة في المنطقة وفي ظروف استثمار سينمائي في الوطن العربي يسيطر
عليه قطاع خاص يضع التجارة في سلم اعتباراته الأولى والوحيدة لهو ضرب من التحدي وقبوله مسؤولية خطيرة من جانب صانعي الفيلم ومن
جانب الجهة المنتجة التي هي المؤسسة العامة للسينما في دمشق.

نستطيع بعد هذا أن نقول-وبعد مشاهدة الفيلم-إن صياغته على النحو الذي بينه المخرج كانت صياغة ناجحة , استطاع من خلالا أن يصل أيضا
إلى الجمهور الأجنبي والى الرأي العالمي من خلال الاستقبال الحافل الذي استقبل به الجمهور الفيلم في قاعة العروض الكبرى بفندق روسيا وموسكو ,إذ صفق الجمهور لهذا الفيلم مع انه جمهور صعب ومتصلب وقادم من جميع أنحاء العالم , ولا تربطه بالقضية الفلسطينية التي هي المحور الأساسي لقصة الفيلم أية رابطة , إذن فان ما يشد مثل هذا الجمهور هو العمل الفني ذاته بالدرجة الأولى.

القلعة الخامسة:

أثار هذا الفيلم الذي أخرجه بلال الصابوني عام 1978 حوارا واسعا في الندوة التي عقدت مناقشته في مهرجان دمشق السينمائي الأول.
والواقع أن المخرج بذل في هذا الفيلم جهودا كبيرة من خلال اختيار قصة صعبة ومن خلال تحريك المجموعات بالإضافة إلى المكان المحدد
الذي صورت فيه مشاهد الفيلم وهو السجن.
يقول المخرج إن الفيلم يتناول قضية الصراع بين الشعب والسلطة التي تحكم بوسائلها القمعية , وهو عن فترة معينة في تاريخ سورية , وإذا كنت قد اخترت شريحة معينة فلأنه ليس مطلوبا مني أن اعرض مجمل تلك المرحلة , كنت باختصار أمام قضية شاب اعتقل نتيجة للتشابه بين اسمه واسم سياسي حقيقي , وأمام ظروف معينة طرحت أمامه قضايا معينة فتحول هذا الإنسان تدريجيا إلى إنسان منتقم.

حبيبتي يا حب التوت:

أخرج عام ,1978 و يقول مروان حداد مخرج الفيلم: إن اختياري لرواية احمد داوود لم يكن اعتباطيا فلقد اخترت الرواية لأنني رأيت فيها مادة تصلح للعمل السينمائي وليس بنقلها كما جاءت في النص.

هناك عدة قضايا استوقفتني في الرواية شعرت أنها تستحق أن يؤكد عليها , وخاصة تلك القضية التي تبرز كيفية سقوط الشاب الذي كان معلما في القرية وهو يتابع تحصيله الجامعي في الوقت ذاته , وكيف ينتقل إلى المدينة للعمل في إحدى الوزارات بعد أن يكون قد حقق في القرية العديد من الإنجازات , أهمها شق طريق رئيسية إلى القرية , ومجابهته لبقايا الإقطاع وأزلامهم , ويستمر الصراع في المدينة بعناصر أخرى , حيث إن هذا الشاب بحكم موقعه في الوظيفة ترتبط به مصالح العديد من كبار التجار الذين يعملون على احتوائه وشرائه وتحويله إلى أدواتهم. وما يسعى الفيلم إلى تأكيده ليس هو سقوط هذا الشاب بمقدار السعي لكشف أسباب هذا السقوط ومحاولة تحليلها.

هذه الأسباب التي تتجسد في استمرار سيطرة رأس المال لكبار التجار على الكثير من فعاليات العمل الاقتصادي والاجتماعي.

بقايا صور:

رواية أخرى للكاتب الروائي الكبير حنا مينه تتحول إلى فيلم سينمائي تنتجه المؤسسة ويخرجه نبيل المالح.
وحول هذا الاختيار يقول المحرج: اخترت -بقايا صور-لأن الكثير من أعمال حنا مينه تثيرني وأمكننى أن أقدمها سينمائيا واعتقد أني قادر على إضافة شيء ما في خلالها , و بخاصة روايات (الشمس في يوم غائم) و(الياطر) و(الشراع والعاصفة) أما رواية (بقايا صور) فقد أثارتني لأنها درامية هامة رغم أن العمل في أساسه ليس عملا دراميا , وإنما هو رواية سردية لتاريخ شخصي.

رغم هذا رأيت فيها عددا كافيا من المواقف التي يمكن أن تخلق فيلما دراميا , وعند معالجتي للسيناريو مع الزميلين سمير ذكري وعمه مرعي حاولنا أن ننتقي أقساما من الرواية , اعتبرنا أن الرواية مؤلفة-على سبيل المثال-من ألف قطعة حجر انتقينا منها الأجمل والأهم لعمل درامي , انتقينا ثلاثمائة حجر , وأعدنا البناء بشكل جميل وجديد مع الاحتفاظ بالروح الحركية الأساسية للعمل التي في رواية بقايا صور , وجعلناها فيلما سينمائيا له بداية وله ذروة وله على الأقل سردية خاصة مختلفة عن سردية الرواية.
الخيار أمامنا كان القدرة على الانتقاء وانتقينا هذه المادة ضمن قاعات بان هذه المادة هي الأفضل لصنع فيلم. وإذا لخصنا الموضوع تلخيصا كثيفا جدا نقول إنها قصة أسرة تحمل رغبة فردية للعيش بشكل أفضل من واقعها المعاش , ذلك البحث عن سراب الخلاص يلاحقها دائما , ضمن هذا السياق قليلا ما تناولنا الأفراد بفرديتهم , حاولنا أن نعرضهم كعناصر في مجتمعنا ضمن بيئة ووضع سياسي واقتصادي معين.

بتعبير آخر: حاولنا في هذا الفيلم وقدر الإمكان أن نعبر عن ظروف متماثلة معينة تبحث عن وجود محدد , له معنى ضمن واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي واضح المعالم , والتأثر المتبادل بين العمليتين.
الفيلم عمليا مقسم إلى ثلاثة أجزاء وقد حاولت إخراجيا أن احصل على أجواء مختلفة , وسعيت أن اجعل التكوينات بصرية اللون وتشكيلات الإحساس بالبيئة مختلفة بين جزء وآخر ليعبر عن جو المدينة في العشرينات وجو القرية الزراعية المحصنة وجو القرية الجميلة.

المصيدة:

إنتاج عام ,1979 وإخراج وديع يوسف عن قصة لعلي عقلة عرسان , وهو الفيلم الروائي الأول الذي يحققه هذا المخرج بعد أن حقق مجموعة من الأفلام القصيرة والمتوسطة الطول , ونال بعضها جوائز مثل (القتلة) و(تحية من القنيطرة) وأفلام حرب تشرين والاغتصاب في ثلاثية العار ,

وهو هنا يقول: لي ثقة بتحقيق فيلم روائي هام من خلال هذه القصة يعكس موضوعا معاصرا نتلمس فيه منهج السينما الواقعية بعيدا عن الزيف والابتذال.
والواقع أنني تعاونت بشكل جيد مع المؤلف السيد علي عقله عرسان الذي كتب السيناريو وشارك السيناريست حسن يوسف معنا في هذه العملية
بصفة مستشار درامي.

الأفلام التسجيلية:
حققت المؤسسة مجموعة من الأفلام المتميزة في هذا المجال انطلاقا من أهمية الفيلم التسجيلي القادر على خلق علاقة مباشرة وغنية بالواقع
اليومي بكل إيقاعاته-وطاقته الشعرية الأصيلة , دون أن يستعين الفنان بصورة ممثلة ومصنوعة من الواقع ذاته , ذلك لان عملية إعادة بناء الواقع وفق تصور ذاتي تحدده معرفة غير مشترطة أصلا إما تنوب عنها عملية مونتاج تعتمد الحياة كما هي وتقوم بتنظيم الواقع المرئي نفسه , وتقوم بتوليف العالم الفعلي وفق إدراك يتجانس مع الأسلوب الفني الذي يتوصل إلى كشف الواقع اليومي بوسائل فنية حسية وعن طريق تثبيت وقائع جديدة تبقى في الحالات العادية خفية أمام عيون الناس ولا يمكن الوصول إليها.

سينما القطاع الخاص:
كانت سينما القطاع الخاص تمثل مرحلة في تاريخ السينما في سورية بين نهاية العشرينات وأوائل الستينات تختلف كليا عن المرحلة التالية في إنتاج القطاع الخاص. وقصة السينما في القطاع الخاص محزنة مضحكة مريرة تكونت فصولها في مناخ غير صحي لأنها سبقت القطاع العام في بداية الإنتاج , وكانت تقليدا لأسوأ ما أنتجت السينما العربية-وفي مصر بصورة خاصة-من أفلام تجارية طغت على السوق العربية وأفسدت ذوق الجمهور الذي لم يعد يرى في السينما سوى وسيلة للتسلية الفارغة يشده إليها إعلان مثير أو صورة صارخة أو ادعاء بأن الفيلم ساعتان من الضحك المتواصل.

وقد أعطى التعاون الفردي بين المنتجين السوريين وبعض كتاب السيناريو أو المخرجين أو الممثلين المصريين أسوأ صورة عن التعاون بين الفنانين العرب الأشقاء , إذ لم يتم في إطار مدروس ولا عن طريق مؤسسات السينما أو غيرها من المؤسسات الثقافية , بل في إطار المصلحة البحتة , ذلك لان المنتج السوري عندما بدأ في أوائل الستينات بإنتاج الأفلام السينمائية- طمعا في الربح المادي وليس لأي سبب آخر-لم يجد أمامه في سورية من يكتب له السيناريو فلجأ إلى مصر صاحبة التجربة القديمة في هذا المجال حيث وجد المنتج أمامه أصنافا عديدة من السيناريوهات , بعضها جيد مرتفع الثمن بالنسبة للمنتج الذي يتعامل بالعقلية التجارية , والبعض الآخر سطحي وتافه ور ?ا مرفوض في مصر نفسها , ولم يتردد المنتج السوري-واللبناني أيضا-في شراء هذا النوع الرخيص كما أن عملية البيع تتم بالجملة , ويعرف العاملون في قطاع السينما انه في عام 1971 اشترى أحد المنتجين من مصر عشرين قصة سينمائية دفعة واحدة مقابل مبلغ محدود.

وقد وجد بعض كتاب السيناريو المصريين في المنتج السوري فرصة لتعريف نصوصهم التي لم تجد لها سوقا في القاهرة( 28 ) كما أن بعضهم
لجأ إلى إعادة كتابة قصص أفلامهم القديمة بعد أن حولوها بصورة اعتباطية إلى الجو السوري , فأصبحت الإسكندرية اللاذقية والقاهرة دمشق , وتحول علي الكسار إلى آبي صياح وإسماعيل ياسين إلى عبدو.

هذا نوع , وهناك نوع آخر من المنتجين لجأ إلى إعادة كتابة قصة فيلم أجنبي وتحويله إلى الجو السوري , وقد صدف اكثر من مرة أن عرض في دمشق فيلم من الإنتاج المحلي في إحدى الدور وفي دار أخرى عرض في الوقت نفسه الفيلم الأجنبي الذي لطش عنه أصحاب الفيلم قصة فيلمهم دون أن يكون هناك أية وسيلة للمحاسبة.

أما النوع الثالث من السيناريوهات فهو الذي يكتبه الفنانون أنفسهم وأحيانا دون أية أرضية فكرية أو ثقافية( 29 ) , وهكذا تضيع شخصية الفيلم السوري ويصبح مجرد صورة منسوخة للفيلم المصري التقليدي الذي تخلت عنه السينما المصرية نفسها , أو صورة أخرى منسوخة لفيلم أجنبي انتج مواصفات مغايرة وبإمكانات مختلفة وضمن ظروف تاريخية واجتماعية وفنية لا تتصل من قريب أو بعيد بظروفنا المحلية القطرية , أو حتى العربية القومية.

أما بالنسبة للمخرجين فالأمر لا يختلف عنه بالنسبة لكتاب السيناريو , ذلك لان اكثر منتجي القطاع الخاص لجأوا بدورهم إلى المخرجين المصريين- وبينهم مخرجون كبار لهم باع طويل في مجال السينما , ولكنهم وقعوا تحت تأثير الإغراء المادي , وقد شارك في اخرج أفلام القطاع الخاص في سورية من مصر: سيف الدين شوكت وسيد طنطاوي ونيازي مصطفى ويوسف عيسى وعاطف سالم وحسن الصيفي وحلمي رفلة ونجدي حافظ ويوسف معلوف , وحسن رضا ومحمد ضياء الدين وغيرهم , بالإضافة إلى عدد من المخرجين اللبنانيين , أما من المخرجين السوريين فإن قلة منهم هم الذين قبلوا أن يتعاونوا مع القطاع الخاص.

والمعروف أن المخرج المصري كان يحضر إلى سورية في رحلة سياحية , ومن اجل الكسب المادي فقط , ولهذا كان يسلق الفيلم في أيام قليلة , حتى إن أحد الأفلام   تصويره كاملا في ثلاثة عشر يوما وخلال اقل من شهر كان جاهزا للعرض.

لهذا نجد أن سينما القطاع الخاص مع أنها أنتجت أربعة أضعاف أفلام القطاع العام من حيث العدد غير مهيأة بطبيعتها لان تلعبا أي دور ثابت في تركيز الصناعة السينمائية وإرساء أسس متينة لها , وحتى في البحث عن صيغة إنتاجية تخرج بالسينما عن كونها مجرد أداة لجني الربح , ولذلك ستظل تفتقد في إنتاجها أدني حد من الأمانة للواقع الاجتماعي , ولن يمكنها طرح أية مشكلة عامة طرحا جادا بحيث تسهم في رفع درجة الوعي الاجتماعي والسياسي.

صالات السينما وجمهورها:
من تتبع الأرقام والإحصائيات نجد أن عدد مبالاة السينما في سورية كان عام 1957 ستين صالة , وارتفع العدد في عام 1960 إلى تسعين صالة , ثم ارتفع في عام 1963 إلى مئة واثنتي عشرة صالة , وهبط الرقم بعد ذلك في عام 1973 أي بعد عشر سنوات إلى مئة وصالتين , منها ست صالات فقط تابعة للمؤسسة العامة للسينما وتحت إشرافها , وهي صالات الكندي في كل من دمشق وحمص وحلب واللاذقية ودير الزور وطرطوس , أما الصالات الأخرى فيديرها القطاع الخاص.

و يتركز حوالي 48 بالمائة من هذه الصالات في محافظتي دمشق وحلب , والباقي تتوزعه المحافظات الأخرى بنسب متفاوتة. يتضح هنا أن عدد صالات السينما لا يمكننا من الوقوف على أبعاد الواقع السينمائي في سورية لان هذا العدد محكوم بعوامل عديدة أهمها:

1- قدرة هذه الصالات على الاستيعاب أي عدد المقاعد التي يحويها كل منها.
2- المستوى الراهن لهذه الصالات من الناحية الصحية والمعمارية والتقنية وغيرها , ومن جهة أخرى فان توزع صالات السينما على محافظات القطر لم يأت إلا من خلال تفاعلات اقتصادية واجتماعية وبيئية وتنظيمية في العاصمة وفي المحافظات , وهذه العوامل هي التي حددت عدد الصالات و بالتالي عدد المشاهدين وفئاتهم العمرية والنوعية والاقتصادية.

الاستيراد والتوزيع والتصدير:
ظلت عملية استيراد وتوزيع الأفلام السينمائية بأيدي تجار القطاع الخاص حتى عام 1969 . ففي الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 1969 وتحت الرقم 2543 صدر مرسوم حصر واستيراد الأفلام السينمائية وتوزيعها داخل القطر وخارجه وأنيط استيراد الأفلام السينمائية وتوزيعها بالمؤسسة العامة للسينما التي أحدثت عام 1963 .

وجاء في الأسباب الموجبة للحصر ما يلي:
تعتبر الأفلام السينمائية المصورة والمعدة للعرض العام من الوسائل الإعلامية والثقافية الهامة التي لها مساس مباشر بالجماهير كما أن لها تأثيرا كبيرا على الناشئة ومستقبلها وسلوكها , و ا كان ما يجنح إليه مستوردو هذه الأفلام لا يتعدى المبدأ المادي وما يلحق به للحصول على اكبر قدر ممكن من الربح فقد أهمل التفكير بالمردود الخلقي والثقافي وغابت المصلحة العامة.
ومستقبل الجيل الجديد انحصر بنوعية معينة من الأفلام لا تخدم إلا جيوب المستوردين , ومن هذا المنطلق ارتأينا ضرورة حصر واستيراد الأفلام بالقطاع العام ليقوم بواجبه أصلا لتسخير هذه الوسيلة الإعلامية لتنمية الشعور وتوجيهه ورفع المستوى الفني والثقافي والاجتماعي لدى الجماهير , ووضع هذا الفن الرفيع في المستوى اللائق ليتيح للجماهير المتعة والفائدة في وقت معا , ولما كانت المؤسسة العامة للسينما هي القطاع الوحيد المختص في القطر فقد ارتأينا أن تمارس حق الاستيراد والتوزيع وتتحمل أرباح وخسائر هذا المشروع التجاري.


أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 105 other followers

%d bloggers like this: