على عكس المتوقع: كتّاب يؤيدون النشر إلكترونياً دون الرجوع للمؤلف!

– بدرية المشاري من الرياض – 13/05/1428هـ

في خطوة عربية غير مسبوقة للتفاعل مع عالم يتسم بالمعرفة العابرة للحدود، رحب كثير من المؤلفين بنشر أعمالهم إلكترونياً لتعميم الفائدة ودون تقييدها بالحقوق المادية. مؤكدين أن ظاهرة النشر الإلكتروني سوف تحقق مستوى جيداً من الانتشار الثقافي والمعرفي الحر، و تنشر وعياً معرفياً يقود من غير شك إلى التغيير الايجابي؛ وأن من حق المواطنين العرب الاطلاع إلكترونياً على ما ينشر في أوطانهم في ظل الظروف الكثيرة التي تحد من الحصول على النسخ الورقية. وفي بادرة من اتحاد الكتاب العرب في سورية أتاح الاتحاد جميع المؤلفات التي طبعها على موقعه مجاناً على الإنترنت لتساعد على التواصل بين الأشقاء العرب، كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد زياد محبك، أستاذ الأدب العربي الحديث في كلية الآداب بجامعة حلب، وعضو اتحاد الكتاب العرب.

الكتب المتفق على نشرها إلكترونياً

حول هذا الموضوع ذكر يحيى الصوفي، أديب ومحرر صحافي سوري مقيم في جنيف، ومؤسس ورئيس تحرير موقعي القصة السورية والمحيط للأدب الإلكترونيين، أن كتب التراث تعد من الكتب المتفق على نشرها إلكترونياً حيث لا حقوق للمؤلف ولا لورثته ولا تعقيدات في الترخيص والدعاية والتوزيع لأنها ذات طابع علمي أو ثقافي تحتاج إليه المؤسسات التعليمية وجمهور المعلمين والمثقفون كل لغرضه. بالإضافة إلى الكتب المترجمة، والتي في غالبها تتم بتشجيع من الهيئات والمؤسسات الحكومية سواء العربية أو الأجنبية بهدف نشر الثقافة غير العربية في البلاد العربية وحقوق النشر في هذه الحالة تكون ضمن اتفاقيات خاصة بين المنتفعين (بعضها بدعم من المنظمات الدولية) ونشرها من دون إذن خاص يلقى كل ترحيب بل يمكن أن يكافئ الناشر عليها.

رأيان لهما حجتهما
ويؤكد حسام عبد القادر، صحافي بمجلة أكتوبر من مصر، ورئيس تحرير مجلة أمواج إسكندرية على الإنترنت، أن موضوع النشر الإلكتروني قد أصاب جميع الكتاب بحيرة شديدة لأن هناك رأيين متضادين لهما حجتهما: فالأول يطالب ويشجع على نشر الإبداعات على الشبكة، والآخر يرفض وبشدة بسبب إهدار الحقوق المالية للمؤلف.

هل يجوز تجاوز المؤلف؟!

ويؤكد من جهته محمد زايد، الأستاذ الجامعي من تونس، أنه من المنطق ومن الأخلاقيات ألا ننشر شيئا لم نأخذ تصريحاً من صاحبه. ونوه إلى أن الأولى إن أراد المؤلف وضع كتابه مجاناً على الإنترنت أن يقوم بذلك بنفسه بعد أن يسترد ما أنفقه. فالشركات الكبيرة التي يتحدثون عنها قد باعت وربحت، لكن ورغم ذلك فإنك عندما تريد تحميل أي وثيقة مهمة من الإنترنت فعليك أن تدفع ثمن النسخة.

مبررات النشر الإلكتروني:

دعوة العرب للقراءة
وتقول الدكتورة ماجدة حمود من جامعة دمشق: “بت أفضل نشر الكتاب بشكل مجاني بعد أن لاحظت تدني مستوى القراءة، وأن الكثير من الشباب لا يستطيع شراء كتاب. لكن من المفروض استشارة المؤلف، فهذا أضعف الإيمان”. ويلاحظ القارئ عبدالله الحمراني أن أكثر متداولي الكتب الإلكترونية يستفيدون منها شخصياً وليس لتحقيق أرباح تجارية. بينما يرى الدكتور أحمد أن هذه الظاهرة حضارية، وتساعد على القضاء على أمية الثقافة، وغاية المؤلف في المقام الأول أن يوصل أفكاره إلى أكبر عدد من القراء العرب.

تعويض النقص الحاصل في النشر الورقي
والسبب هنا، كما يعتقد الصوفي، هو تقاعس الكثير من دور النشر في نشر كتب ذات محتوى ثقافي وأدبي لعدم مردودها المالي، وتعقيدات حقوق الكاتب، واهتمام الجمهور المعاصر من القراء في الكتب ذات الصبغة المعاصرة من جهة أخرى.

توفير ثمن الكتاب ومكانه
يأتي النشر الإلكتروني أيضاً، كما يوضح الدكتور أحمد، ليوفر على المواطن العربي ثمن الكتاب، وليوفر عليه مكان تخزينه، إذ من الممكن حفظ آلاف الكتب على قرص صلب صغير.

ضمان الانتشار الواسع
ويعزو الدكتور أحمد تفوق النشر الإلكتروني على الورقي إلى أن ما يطبع من أي كتاب في كثير من الأقطار العربية هو عدد قليل من النسخ، وأنها في أغلب الأحيان لا توزع خارج القطر الذي يطبع فيه الكتاب، في حين يوفر النشر الإلكتروني الانتشار الواسع في العالم كله..

حل لمشكلة نفاد الكتب من الأسواق
ويبين الصوفي أن معظم الكتب المنشورة ورقياً في مجالات البحوث والثقافة لم تحقق أي انتشار أو إعادة طباعة أو توزيع بما يليق بالأسماء الكبيرة وخبراتها وأهميتها الأدبية على الساحة العربية والدولية، ويأتي النشر الإلكتروني كحل أمثل هنا.

الكتاب الإلكتروني رافد آخر لنجاح الكتاب الورقي ودعاية مجانية للمؤلف

ويبقى للطباعة والنشر الورقي وللكتاب، كما يذكر الصوفي، رغم كل شيء دفئه الخاص ومكانته المرموقة التي لن تنطفئ بضغطة زر. ويتفق أبو صالح، مدير شركة الصالح للتقنية والتصنيع، مع الصوفي على أن النشر الإلكتروني للكتب مجاناً وسيلة دعائية مثالية للمؤلف ولدار النشر قد تكون وراء زيادة الطلب لهذه الكتب بعد مطالعتها على الإنترنت. ومن زاوية أخرى بين أبو صالح أن تكلفة الطباعة عالية على الطابعة الشخصية، وربما يساعد ذلك في جلب انتباه دور النشر والمؤلفين إلى ضرورة التفكير بابتكار أساليب جديدة لجعل الكتاب المطبوع أكثر إغراء بتكلفة أعلى قليلاً باستلهام بعض ما يوفره عالم الحاسوب. ويقترح الحمراني إمكانية الاستفادة من الإعلان في مواقع الكتب المجانية لتغطية النفقات من خلال راع تجاري.

تشجيع نشر الثقافة
وعلى الرغم من تحفظ الصوفي على نشر الكتب بشكل عشوائي على الإنترنت دون موافقة أهل الشأن، إلا أنه يستغرب محاربة المساعي الفردية في نشر أمهات الكتب طالما أن الهدف الرئيس منها هو نشر الثقافة!. وحذر أبو صالح، من مصادرة حق الجنود المجهولين الذين بادروا بخدمة العلم باللغة العربية وسخروا له الجهد، والوقت، والمال في سبيل توفير خدمة مجانية على الإنترنت، خاصة أن الغالبية العظمى من الكتب المنشورة هي أمهات الكتب العربية بينما هناك مواقع قامت بها، ومولتها، وتدعمها جهات عربية مثل الورّاق ومكتبة الإسكندرية وغيرها الكثير جداً والتي تنشر الكتب الإلكترونية مجاناً وهي الأقدر على الدفع.

حق الكاتب لا تحفظه القوانين، إنما تحفظه القيم والأخلاق
يرى الدكتور أحمد أن الحق الوحيد الذي يرتجى الحفاظ عليه وحمايته هو حق الفكر: فلا يسطو أحد على كتاب فينسبه إلى نفسه، ولا ينقل من كتاب في موقع إلكتروني من غير أن يشير إليه. وإن خشي البعض من السطو على المؤلفات في المواقع الإلكترونية والاقتباس منها من غير الإشارة إليها، فمثل هذه الظواهر كانت قائمة وتزال في النشر الورقي، وكم من كتاب منشور أعيد طبعه في أكثر من بلد من غير استئذان مؤلفه أو حفظ حقوقه، أو طبع طبعة مزيفة تحمل اسم دار النشر الأولى. وثمة مئات الأقراص المدمجة الآن في الأسواق خزن عليها آلاف الكتب، وهي منسوخة بطريقة غير شرعية، وتباع بثمن زهيد جداً!.

مسؤولية المؤسسات الحكومية في دعم المؤلفين
المطالبة بإيجاد صندوق لدعم المؤلف، أو شراء حقوق النشر

أبان الصوفي أنه إن كان هناك من محاسبة وملاحقة قانونية لمنع هذه الظاهرة من الانتشار على الشبكة العنكبوتية والحصول على تعويضات عليها، فإن عليها أن توجه ضد الحكومات العربية الممثلة في مؤسساتها الرسمية الثقافية على تقاعسها عن القيام بدورها في دعم المؤلفين وأصحاب الحقوق من خلال شراء هذه الحقوق والقيام بنشرها، أو السماح للغير بنشرها، دون الرجوع إليها، في سبيل خدمة الثقافة العربية التي لا تفي بمتطلبات الحياة المعاصرة!. وعليه أصبح لزاماً على تلك الهيئات الحكومية إيجاد صناديق دعم مالي لهؤلاء المؤلفين ورعاية إنتاجهم الأدبي، والعلمي، والمعرفي بدلاً من البحث عن المقصرين وملاحقة المثقفين.

قوانين الملكية الفكرية .. حبر على ورق !!

ترى الدكتورة ماجدة أن القوانين في الدول العربية حبر على ورق، فالمكتبات تسرق مؤلفات الأساتذة الجامعيين في جامعة دمشق وتصور أو تبيع كما تشاء دون أن ينالها أحد، فكيف يمكن محاسبة مواقع النشر الإلكترونية؟!”. وبينما يرحب الشاعر والكاتب الليبي صلاح الدين الغزال بنشر كتبه على الإنترنت مجاناً، فإنه يرى أنه لابد من الاستئذان من المؤلف، وهو مع ذلك لا يرى وجود أي قوانين في الدول العربية تحد من ذلك. ومن جانبه حذر زايد من تبعات إهمال قضية “حقوق الملكية الفكرية على الإنترنت” وهي محل كتابات ودراسات ووضع قوانين في العالم المتقدم، حينها يحلو للمنتهزين السطو على المؤلفات، ولن تسلم من تحريفهم وعبثهم بما كتب!

الواقع يفرض نفسه: نتاج الفكر لا ينفع إذا ظل حبيس الخزائن
وبالنظر للواقع، فإن العقلاء يعون أن النشر الإلكتروني سيستمر رغماً عن كل قانون، وأن الأذكياء هم الذين يستوعبون الواقع الذي ينادي بفتح أبواب النشر الإلكتروني بكل أنواعه، مع التأكيد على دور الوعي السليم، والوازع الديني، والأخلاقي، ومما لاشك فيه أن في الوطن العربي من الكتّاب من لا يوافقون على هذه الأفكار، وهم حريصون على حقوقهم المادية، ولهم الحق في ذلك، وموقفهم يحترم، ولكنهم في الحقيقة قلة، وسوف يتجاوزهم الزمن، وسوف يطغى النشر الإلكتروني، وسوف يأتي يوم يسعون فيه بأنفسهم إلى وضع مؤلفاتهم في مواقع إلكترونية، ليطلع عليها كل الناس!.

~ بواسطة a.alaraby في أبريل 29, 2008.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: